ابن رشد
183
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 274 ] وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : « وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ » ( العنكبوت 48 ) . ولذلك أتي ( - أثنى ) اللّه تعالى على عباده بوجود هذه الصفة في رسوله في غير ما آية من كتابه ، فقال تعالى : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ » الآية ( - « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » * الجمعة 2 ) . وقال : « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ » الآية ( - « الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ( الأعراف 157 ) . [ 275 ] وقد يوقف على هذا المعنى بطريق آخر ، وهو مقايسة ( 61 / ظ ) هذه الشريعة بسائر الشرائع . وذلك أنه إن كان فعل الأنبياء ، الذين هم به أنبياء ، إنما هو وضع الشرائع بوحي من اللّه تعالى ، على ما تقرر الأمر في ذلك من الجميع ، أعني القائلين بالشرائع بوجود الأنبياء صلوات اللّه عليهم : فإنه إذا تؤمل ما تضمنه الكتاب العزيز من الشرائع المفيدة للعلم والعمل ، المفيدين للسعادة ، مع ما تضمنته سائر الكتب والشرائع ، وجدت تفضل ، في هذا المعنى سائر الشرائع ، بمقدار غير متناه . [ 276 ] وبالجملة فإن كانت هاهنا كتب ، واردة في شرائع ، استأهلت أن يقال إنها كلام اللّه لغرابتها وخروجها عن جنس كلام البشر ومفارقته بما تضمنت من العلم والعمل ، فظاهر أن الكتاب العزيز الذي هو القرآن هو أولى بذلك وأحرى أضعافا مضاعفة . [ 277 ] وأنت فيلوح لك هذا جدا إن كنت وقفت على الكتب ، أعني التوراة والإنجيل . فإنه ليس يمكن أن تكون كلها قد تغيرت . ولو ذهبنا لنبين فضل شريعة على شريعة ، وفضل الشريعة المشروعة لنا جميع الناس « 10 » على سائر الشرائع المشروعة لليهود والنصارى ، وفضل التعليم الموضوع لنا في معرفة اللّه ومعرفة
--> ( 10 ) " صححت " في بعض الطبعات هكذا : " معشر المسلمين " . والصواب " جميع الناس " الواردة في المتن ، فهو يستحضر كون الإسلام " دعوة إلى الناس كافة " . انظر عبارة " جميع الناس " في آخر الفقرة 278 ( م . ع . ج ) .